أضيف بواسـطة albayyna

أدت السياسة الامريكية الى تدمير العراق وحولته الى خراب يتصاعد منه الدخان

ح 1
دأبت هيئة تحرير جريدة (البينة الجديدة) ومنذ وقت طويل  على نشر أهم الكتب التي تتضمن قضايا وموضوعات خطيرة تتعلق بالشأن العراقي تحديداً بغية اطلاع الرأي العام وجعل القارئ أمام  حقيقة مايدور حوله .. اليوم نستعرض وعلى شكل حلقات الكتاب الموسوم (محو العراق خطة متكاملة لاقتلاع عراق وزرع اخر) والذي ألفه ثلاثة من الصحفيين الامريكان هم (مايكل او ترمان وريتشارد هيل وبول ويلسون) .. الكتاب يستعرض العراق الحقيقي ارضاً وشعباً وقيماً واحلاله بوطن ممزق وشعب منهك حيث لا وشائج تربطه مع بعضه البعض ..والمخطط يستهدف الانسان العراقي أولاً ومن ثم المجتمع ومنظومة القيم الاجتماعية والاخلاقية وصولاً الى مايسمى بـ (إبادة المجتمع) .. والكتاب بصراحة توثيق للحرب الامريكية المستمرة منذ عقود على العراق تاركين للقراء الاعزاء الغوص في بحوره واستجلاء الاشياء الخطيرة.

 

توطئة .. جميل ظاهر
ياللحدود التي يذهب اليها البشر ليمارسوا في الحد الاقصى طقوس وعبادات الذات الجماعية التي تملأهم شعورا بالصلاح وبالاكتفاء المغتبط بالنفس وسط الألم والجرائم الاكثر اثارة للصدمة .
-توماس ميرتون الحب والحياة اشار اللواء ديفيد بوكينز الاربعار 25اذار مارس 2009  الى تواتر الهجمات على الاهداف العسكرية الامريكية في العراق. وقال للصحفيين في بغداد (بلغت الهجمات ادنى نسبة لها منذ اب اغسطس 2003 ) واضاف (تعرضنا لألف ومائتين وخمسين هجوما في الاسبوع في ذروة العنف  وتبلغ الهجمات الان احيانا اقل من مائة في الاسبوع الواحد).احتلت هذه البلاغة عناوين بعض وسائل الاعلام الامريكية السائدة لكنها لم تشكل تعزية كبرى لعائلات 28 عراقيا قتلوا في اليوم التالي في انحاء مختلفة من البلاد وهي لم تجلب كذلك السلوان الى اسر 27 عراقيا ذبحوا في هجوم 23 اذار مارس الانتحاري او الى الناجين من  هجوم بقنبلة على موقف للباصات في بغداد ادى في اليوم نفسه الى مقتل تسعة.عدت اخيرا من العراق حيث اختبرت بنفسي الحياة في بغداد التي يقتل فيها العنف الناس يوميا ففي كل يوم تقريبا من ايام الشهر الذي امضيته هناك انفجار  لسيارة مفخخة في مكان ما في العاصمة وتعرضت ما تسمى بالمنقطة الخضراء لقذائف الهاون وشهد كل يوم  في بلد يكاد يدخل العام الثامن من سقوطه تحت احتلال الجيش الامريكي ولا يزال يتمركز فيه نحو 150 ألف مقاول خاص و124 ألف جندي امريكي.اختبرت في عودتي الى الديار الانقطاع بين ذلك الواقع الذي يعيشه  نحو 25 مليون عراقي والتجربة السريالية للحياة في الولايات المتحدة حيث يدعي معظم الاعلام ان العراق لم يحتل او انه يستخدم معيار الانخفاض في عدد القتلى من العناصر الامريكيين مقياسا للنجاح واذا اعتمدنا كلام اللواء بكرينز فـ(اذا نظرنا الى عد القتلى العسكريين وهو مؤشر الى العنف والفتك هناك تجد ان عددهم بلغ ادنى مستوى له منذ بدء الحرب قبل ستة اعوام ) ولكن ذلك مقياس لا يفيد كثيرا اذا  نظرنا الى الصورة الاكبر في داخل العراق الذبح اليومي المستمر  للعراقيين والغياب شبه التام للبنى التحتية  العاملة وواقع ان واحدا بين كل ستة عراقيين لا يزال مهجرا من منزله او واقع ان ما لا يقل عن 1.2 مليون عراقي ماتوا نتيجة الغزو الذي تقوده الولايات المتحدة واحتلال بلادهم.ونتج عن اكثر من ثمانين شهرا من الاحتلال وانفاق اكثر من ثمانمائة مليار دولار على الحرب (بحسب التقديرات المحافظة) وتهجير داخلي  2.2 مليون عراقي و2.7 مليون لاجئ ومقتل 2615 استاذا وعالما وطبيبا بدم بارد ومقتل 341 عاملا في حقل الاعلام واساءت الحكومة العراقية الراهنة استخدام ما يزيد عن 13 مليار دولار ويحتاج الامر الى 400 مليار دولار لاعمار البنى التحتية العراقية بل يصل بعض التقديرات الى الترليون الواحد وتراوح البطالة ما بين 25 في المائة و70 بحسب الاشهر وهناك ما معدله دزينتان من السيارات المفخخة في الشهر وعشرة الاف حالة من الكوليرا سنويا و4352 جنديا امريكيا قتيلا واكثر من 73 ألف جندي تعرضوا لإصابات جسديةاو نفسية.لا وجود للحياة الطبيعية في بغداد وفي وقت يصح تقنيا   القول بوجود عنف اقل الان بالمقارنة مع العام 2016 الذي تعرض خلاله ما بين 100 عراقي و300 للذبح يوميا يصح ايضا ان العراق يشبه اليوم اكثر من ذي قبل الدولة البوليسية ويستحيل السفر لأكثر من خمس دقائق من دون مصادفة دورية عراقية تابعة للجيش او للشرطة – تتألف عادة من بيك اب يعج بالرجال المسلحين وتزعق ابواقه او صفارات انذاره وتطوف النساء المستعطيات والاطفال بين السيارات عند كل مفترق طرق وكثيرا ما تهدر طائرات الهليكوبتر العسكرية الامريكية فوق الرؤوس فيما اصبح رعد الطائرات المقاتلة او طائرات النقل أمرا شائعا وما من حديث عن تعويض العراقيين عن الموت والدمار والفوضى التي تسبب بها الاحتلال.وتقدم الاحياء التي ينفصل فيها السنة والشيعة نتيجة ما يسمى باستراتيجية الاندفاع رؤية صارخة عن بلقنة العراق ولا يزال الكثير من هذه الاحياء محاطا كليا بجدران من الاسمنت المقاوم لعصف  الانفجارات بارتفاع عشرة اقدام فتستحيل معه الحياة العادية ويلقي الخوف من تجدد العنف بثقله الشديد على العراقيين اذ يبدو ما يسمى بالهدوء الراهن مهتزا وربما على وشك الزوال ولا يمكن لأحد هناك توقع المستقبل وفي وقت يبدو الامل في تحسن دائم في اي وجه من اوجه الحياة ساذجا وحتى خطرا ايضا.ويصف ( العراق المفتت) عنوان الفلم جيمس لونغلي الذي رشح عام 2007 الى نيل جائزة الاوسكار عراق اليوم بدقة فقد ادت عشرة اعوام من السياسة الامريكية الى تدمير البلاد ونجد في مجرد العودة الى العام 1980 الحكومة الامريكية تساند كلا من العراق وايران في حرب الاعوام الثمانية الرهيبة التي دارت بينهما ونجد بعد حرب جورج بوش عام 1991 على العراق التي اعقبتها اثنتا عشرة سنة ونصف السنة من العقوبات الابادية قتل خلالها نصف مليون طفل عراقي اشرف هو على فرضها ومن بعده بيل كيلنتون وجورج دبليو بوش ان ما تبقى من العراق اليوم في عهد الرئيس باراك اوباما كناية عن خراب يتصاعد منه الدخان ولا يبدو ان هناك نهاية حقيقية للاحتلال وقد قال الجنرال جورج كايسي للصحفيين في ايار / مايو 2009 (يستوجب علينا الاحتفاظ عقدا من الزمن بعشر وحدات من الجيش ومارينز تنتشر في العراق وفي افغانستان ) وهي مدة زمنية تتجاوز بكثير الموعد الاساس للانسحاب الامريكي المحدد في 31 كانون الاول / ديسمبر 2011.ويبدو كل الكلام عن الانسحاب  من العراق مجرد خطابات جوفاء بالفعل بالنسبة الى معظم العراقيين الذين يمكنهم ان يشاهدوا بأم العين القواعد الامريكية العملاقة  الثابتة التي تنتشر الان في مختلف انحاء بلادهم او السفارة الامريكية الجديدة التي يبلغ حجمها حجم مدينة الفاتيكان تمتد الهوة بين خطاب الانسحاب والواقع على الارض على امتداد المسافة بين العراق والولايات المتحدة فيما تصفع الحقيقة العراقيين على وجوههم كل يوم يستمر الاحتلال.امكنني دوما خلال الاوقات الاكثر ظلمة التي اثقل فيها عبء عملي في العراق على روحي ان اجد التعزية في واقع ان توثيقي ما فعلته الادارة الامريكية بالشعب العراقي على مدى عقود يرتدي اهمية حاسمة يجب ان يحصل الشعب العراقي على صوت ويجب تسجيل وقائع الحياة في العراق للتاريخ   رغم انكارها المستمر في الغرب.هكذا شعرت براحة كبيرة لما عرفت بأمر كتاب (محو العراق : الاثمان الانسانية للمذبحة ) بل اكثر منها عندما طلب مني ان اكتب هذه التوطئة.ومحو العراق كتاب نادر عن العراق يتمتع بما يكفي من الجرأة لان يصف وبعبارات لا لبس فيها الخطة الامريكية في العراق على انها ابادة جماعية  بل انه يستخدم تعبيرا يرجح ان الناس في معظمهم لم يتعودوه وهو (ابادة المجتمع ) الذي سبق للمؤلف كيث دوات استخدمه في كتابه (ادراك الشر : دروس من البوسنة ) وإبادة المجتمع تعني القضاء على اسلوب حياة بأكمله وتستتبع على ما يشرح ادوات (خطة منسقة من اعمال مختلفة تهدف الى تدمير الركائز الاساسية للمجتمع ) ويمكن ايضا استخدام هذا المفهوم في حال العراق على ما اوضح واضع الكتاب. يشكل التدمير المقصود للعراق وشعبه الذي قامت به الولايات المتحدة وحليفاتها خلال حرب الخليج وحقبة العقوبات الدولية وحرب الخليج الثانية وخاصة في ضوء عمليات النهب في نيسان / ابريل 2003 التي تغاضت عنها الولايات المتحدة والدعم الذي لقيه الاصوليون العنفيون – محاولة ابادة المجتمع.                          يتبع...

المشـاهدات 381   تاريخ الإضافـة 02/02/2022 - 11:15   آخـر تحديـث 13/08/2022 - 09:04   رقم المحتوى 33806
جميـع الحقوق محفوظـة
© www.Albayyna-New.net 2016