أضيف بواسـطة albayyna

ح 46 
دأبت هيئة تحرير جريدة (البينة الجديدة) ومنذ وقت طويل  على نشر أهم الكتب التي تتضمن قضايا وموضوعات خطيرة تتعلق بالشأن العراقي تحديداً بغية اطلاع الرأي العام وجعل القارئ أمام  حقيقة مايدور حوله .. اليوم نستعرض وعلى شكل حلقات الكتاب الموسوم (محو العراق خطة متكاملة لاقتلاع عراق وزرع اخر) والذي ألفه ثلاثة من الصحفيين الامريكان هم (مايكل او ترمان وريتشارد هيل وبول ويلسون) .. الكتاب يستعرض العراق الحقيقي ارضاً وشعباً وقيماً واحلاله بوطن ممزق وشعب منهك حيث لا وشائج تربطه مع بعضه البعض ..والمخطط يستهدف الانسان العراقي أولاً ومن ثم المجتمع ومنظومة القيم الاجتماعية والاخلاقية وصولاً الى مايسمى بـ (إبادة المجتمع) .. والكتاب بصراحة توثيق للحرب الامريكية المستمرة منذ عقود على العراق تاركين للقراء الاعزاء الغوص في بحوره واستجلاء الاشياء الخطيرة.

هرب يوخنا ومعه ثلاثة موظفين آخرين من الباب الخلفي للمتحف. «خرجنا وفي نيتنا العودة ما إن تتوقف الحرب, أو المعركة. في محيط المتحف». غير أن القتال العنيف وإقفال الجسور في مختلف أنحاء المدينة منعا يوخنا من العودة, أيامًا عدة. وقال «لا نعلم بالضبط ما حدث الأربعاء 9 نيسان سوى أن الناهبين أخذوا يجولون داخل المتحف وداخل منطقتنا الإدارية. الخميس 10نيسان والجمعة 11 منه والسبت 12‏ منه. وعاد يوخنا في 14‏ نيسان ودخل المتحف الذي بقي من دون حراسة. وبدا الأمر. وهو يعبر مدخل الإدارة. وكأن إعصارًا ضرب المبنى من الداخل. أخذوا كل أنواع التجهيزات التي امتلكناها: الحواسيب الكاميرات, آلات المساحة. أجهزة قياس الزوايا آلات النسخ والاستنساخ. البرادات, الأثاث, أجهزة التلفاز بل وحتى آلة صنع القهوة خاصتي! لم يتركوا شيئًا. وحدها أوراقنا بُعثرت على الأرض وحسب. وقد فكك مكتبي كليًا ثلاثة أجزاء أو أربعة. وعثرت على كرسيي على بعد نحو مئة متر منه. وما إن دخلنا المتحف وبدأنا بالتحقق حتى وجدنا أن بعض القطع الفائقة الأهمية التي تركناها في قاعة العرض, أخذت. تضمّنت القائمة الأولى بالكنوز المفقودة إناء الوركاء وتمثال باصدقي. وأمكنت استعادة هاتين القطعتين. إلا أن نحو 9000‏ قطعة - معظمها من الأحجار الكريمة والجواهر والتماثيل الفخارية والأختام الأسطوانية من مستودعات المتحف السفلى - ما تزال مفقودة. وقد دمّر الناهبون ما لم يتمكنوا من أخذه. واستذكر يوحنا أنهم قاموا في صالة العرض العامة بتحطيم بعض الأسود الفخارية التي جئنا بها من تل حرمل وتعود إلى 1900 قبل الميلاد وهي الحقبة البابلية القديمة وإلى [الحقبة] الحضرية قبل ذلك. وامتلكنا واجهة عرض تظهر أمثلة عن الآجر المختوم منذ الأزمنة الأولى وحتى أيام الرومان. وقد أخذوا تسعة من ألواح الآجر هذه؛ بدا أنهم انتقوا الألواح التسعة ولم يأخذوها في شكل عشوائي. ولاحظنا أن تمثال الملك شلمنصّر الثالث مفقود من قاعة العرض الأشورية فيما حطم تمثال آخر. وحطموا ثلاثة تماثيل رومانية عثرنا عليها في الحضر. وأخذوا رؤوسها. وأخذوا رأس «نايكي» - إلهة النصروهو تمثال شبه كامل مصنوع من البرونز عثرنا عليه في الحضر». كان الصحفي المستقل كريس ألبريتون موجودًا في بغداد عند نهب المتحف. وقال: «شاهدت تخريب المتحف العراقي... ولم يفعل الأميركيون أي شيء حيال ذلك. بل اكتفوا بالجلوس عند بعض تقاطعات الطرق. حتى أنهم لم يخرجوا من آليات الهمفي أو من الدبابات... ولم يقوموا في الحقيقة بالكثير». واستذكرت باريرا بودين» مسؤولة إعادة الاعمار السابقة في السلطة الموقتة للائتلاف. بطأ في صفوف القادة الأميركيين عندما أفيد أَوَلَا عن عمليات النهب. وقالت عندما سمعت أن المتحف تعرّض للنهب. قصدنا الباب المجاور حيث توجد القيادة العسكرية العليا. وقلنا إننا سمعناء كما تعلمون. أن المتحف عرضة للنهب. وتعرفون أن عليكم إرسال الجنود إلى هناك وحمايته. فهذا كما تعرفون. إرث عالمي وليس مجرّد إرث عراقي. ويمكنني القول إن الأمر كان مثيرًا جدًا للاهتمام. أدرك الجنرالات البريطانيون. عمومًا , أهمية حماية المتحف وشرعوا في الرد تقريبًا على الفور. أما الجنرالات الأميركيون. عمومًا. فقد رمقونا بنظراتهم وسألوا: «ماذا تتوقعون منا فعله حيال ذلك؟ »”) وسيثني دونالد رامسفلد لاحقًا على جنرالاته - بدلا من تأنيبهم - لفشلهم في وقف نهب المتحف. وقال في شباط 2005‏ للسي.أن.أن.: «أعتقد أن القادة الميدانيين اتخذوا القرارات الصائبة. وقضت القرارات الصائبة بهزم العدو بدلا من توفير الحماية حول متحف ما أو شيء من هذا القبيل». وثارت ثائرة الدكتور يوخنا على الولايات المتحدة لفشلها في توفير الأمن لمتحف العراق: كنت أعرف أن القوات الأميركية موجودة على مقربة من المتحف ولم تحرّك ساكناً. وهذا خطأ جسيم جدًا كان يمكن تداركه. اعتقدت. على غرار معظم العراقيين. أن وصول الأميركيين مرحب به جدًا. لكنك, وكعالم آثار عمل في هذا الحقل على مدى ثلاثين عامًا وأحبه ويعرف كل قطعة قطعة بقطعتها عندما تشاهد كل هذا الدمار والنهب يصبح الامر شاقا جدًا. لا أستطيع مساندة أناس لم يوفروا الحماية للمتحف. ولا أستطيع لوم الجنود - فهم لم يتلقوا الأوامر. تميّزت إعادة إعمار المتحف بالبطء على رغم ملايين الدولارات التي توافرت من المنظمات غير الحكومية والدعم من وزارة الخارجية الأميركية. فالمتحف على غرار دار الكتب. قريب من شارع حيفا المميت حيث قتل منذ العام 2003‏ عالم آثار في المتحف ومحاسب وسائق. وعقب عمليات خطف بالجملة في أحد الشوارع القريبة من المتحف أوائل العام 2006‏ أحكم يوخنا الإغلاق على ما تبقى من المجموعات. وسأل كبار موظفيه بعد عمليات الخطف: ماذا يسعنا فعله لو جاء هؤلاء الناس إلى المتحف واتهمونا بإخفاء شيء ما في مخازننا وطلبوا دخولها؟ هل يمكننا إيقافهم؟ إتفقنا على أن ما من شيء يوقفهم, فشرعنا على الفور في تأمين المتحف. وضعنا الآثار في مخازن التوثيق والمختبرات في الصناديق وأنزلناها إلى المستودع حيث شرعنا في تلحيم الأبواب الحديد. وعلى مدى يوم ونصف اليوم لحمنا كل الأبواب المؤدية إلى المخازن وإلى منطقة المتحف. وآخر ما قمنا به كان بناء جدار من الطوب والباطون بسماكة نصف متر عند المدخل. وأصبح المتحف محكم الإقفال. وفاقم من بطء وتيرة إعادة إعمار متحف العراق تدخل وزارة السياحة والآثار - ‏ وبحسب يوخنًا: شرعوا منذ البداية في إرسال أناس لمراقبة كل شيء في مؤسستنا وتوجيهه. تدخلوا في كل كبيرة وصغيرة وغيّروا في الأمور من دون معرفتنا. وشجَعوا موظفي القسم على التوجه مباشرة إلى الوزارة من دون المرور بنا. وفصلوا أناسًا ووضعوا مكانهم أناسًا غير مؤهلين. والأمر أسوأ من عهد صدام. وزاد في الأمور سوءًا ان يوخنًا مسيحي المعتقد: كانت القشة التي قصمت ظهر البعير عندما أبلغني مستشار الوزير أن علي الانتباه إلى نفسي. وقال ان هناك أمرًا بوجوب عدم السماح لي. بصفة كوني مسيحيا. بالاحتفاظ بوظيفتي. وإن من المهم جدًا أن يتبوّأ هذا المنصب مسلم. صُعقت. وأدركت أنني في حال بقيت سيطردونني. أو سيسبب لي ذلك المشكلات. بل قد يؤدي حتى إلى اغتيالي. وهذا يحدث. تقدمت بعد ذلك بشهر أو ما نحوه - في 30‏ تموز2006‏ - بطلب التقاعد. فوافق عليه الوزير على الفور. والوزير يتصل عادة لمعرفة سبب استقالة مسؤول رسمي كبير. واتضح بالتالي أنه يريدني أن أغادر. وغادرنا بغداد بعد ذلك بأسبوع تقريبًا. انتقل من هناك إلى سوريا ثم إلى نيويورك حيث يدرس الآن علم الآثار والتاريخ في جامعة ستوني بروك. وقام بديله في 23شباط 2009‏ بإعادة افتتاح الطبقة الأولى في المتحف العراقي - وهي خطوة عدّها يوخنًا متهوّرة وسابقة لأوانها نظرًا إلى الظروف الأمنية في بغداد وإلى أن المجموعات لا تزال غير مكتملة. وقال: «أعتقد أن المتحف يُستخدم في هذه الحال لأسباب سياسية وحسب». وإذا كان متحف العراق حاز انتباهًا إعلاميًا متواضعًا وملايين الدولارات من الواهبين في ما وراء البحار لحماية مجموعاته واسترجاعها فإن المواقع الأثرية العراقية الكبرى لم تحظ بمثل ذلك. وبحسب ماكغواير غيبسون, أستاذ علم آثار بلاد ما بين النهرين في جامعة شيكاغو. فإن مئات المواقع كانت «لا تزال مدمرة» عام 2009 ويعتقد الخبراء أن عمليات التنقيب غير الشرعية أدت إلى استخراج آلاف القطع الأثرية. وبحسب غيبسون: يشكل التنقيب غير الشرعي الطرف المموّن لسلسلة طويلة من العملاء والتجار العراقيين والمهرّبين والتجار الأجانب والأكاديميين الذين يثبتون صحة القطع لمصلحة جامعي الآثار والمتاحف التي تزوّد السوق. والرجال الذين يقومون بأعمال التنقيب هم من المزارعين وسكان المدن. والكثيرون منهم من الجنود العراقيين المسرّحين الذين لا يملكون وظائف بديلة. وتوفر سيارات الأجرة المحلية عمليات النقل. ويوفر قلة من المشايخ بعض التنظيم فيما يصل عملاء التجار الإقليميين دوريًا لاختيار أفضل القطع. وينقل المهرّبون القطع الأثرية إلى خارج العراق عبر عدد من الطرق. وتبيع متاجر الجواهر والأثريات بعضها في حلب ودمشق وعمّان وبيروت؛ ويبدو أن الكثير منها يجد طريقه إلى دولة الإمارات العربية المتحدة. من خلال متابعة مواقع الإنترنت فيها. إلا أن أفضل القطع يُرسل إلى أوروبا حيث تعرضه المتاجر علنًا للبيع. في ألمانيا وهولندا وغيرهما. لا تزال القطع الأثرية العراقية تُباع على المكشوف عبر الإنترنت. ووجد تحقيق قام به نيل برودي من مركز علم الآثار في جامعة ستانفورد أن 55 موقعًا على الإنترنت عرضت في كانون الأول 2006‏ قطعًا أثرية عراقية بما في ذلك لوحات مسمارية وأختام أسطوانية ذات شهادات مشكوك فيها. وارتفع العدد بحلول أيلول 2008‏ إلى 72 موقعًا على الإنترنت. وتبقى هذه السرقة المتمادية للقطع الأثرية العراقية وبيعها جرحًا مفتوحًا في بلد لا يزال مُبتلى بالمأساة اليومية. وقال يوخنا «إن ما يحصل للآثار ولتلك القطع الفنية التي تنتمي إلى البشرية يشكل وضعًا محزنا جدًا. انها إرث يعود إلى كل شخص في العالم. وهي تُهِرَبٍ وتغتال على هذا النحو».
 

المشـاهدات 321   تاريخ الإضافـة 03/08/2022 - 12:44   آخـر تحديـث 03/12/2022 - 01:32   رقم المحتوى 37234
جميـع الحقوق محفوظـة
© www.Albayyna-New.net 2016